وباستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي، بنى علماء الفلك خريطة تفصيلية للمادة المظلمة، توضح كثافة هذه المادة الغامضة عبر مجال رؤية يشمل حوالي 800000 مجرة.
المادة المظلمة إنه أمر محير جدًا للعلماء لأنه لا يتفاعل مع الإشعاع الكهرومغناطيسي، أو ببساطة الضوء، وبالتالي فهو غير مرئي فعليًا بالنسبة لنا. وهذا يخبر الباحثين أن المادة المظلمة ليست مجرد مادة عادية يصعب رؤيتها البروتونات, النيوترونات و الإلكترونات, وهي الجسيمات التي تتفاعل مع الضوء. ومن ثم، فإن البحث عن الجسيمات التي يمكن أن تحتوي على المادة المظلمة كان أمرًا معقدًا. ولجعل الأمور أكثر تعقيدًا، يبدو أن هذه الجسيمات تتفوق على الجسيمات التي تشكل المادة العادية في الكون بنسبة خمسة إلى واحد.
ولحسن الحظ، المادة المظلمة يفعل تتفاعل مع الجاذبية، وبالتالي تؤثر على نسيج المكان والزمان. وانحناء الفضاء الناجم عن تركيزات كبيرة من المادة المظلمة – مثل هالات المادة المظلمة التي تحيط بالمجرات وعناقيد المجرات – يمكن أن يؤثر على مرور الضوء في عملية تسمى عدسة الجاذبية تنبأ ألبرت أينشتاين لأول مرة في عام 1915. ومن خلال تأثير الجاذبية تمكن علماء الفلك من استخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) لبناء هذا خريطة جديدة للمادة المظلمة.
تبلغ مساحة السماء التي تم تحليلها من خلال هذا التحقيق حوالي 2.5 مرة حجم البدر (كما نرى من وجهة نظرنا على الأرض) وتقع في كوكبة السدس. قام تلسكوب جيمس ويب الفضائي بدراسة هذه المنطقة لمدة 255 ساعة تقريبًا باستخدام أداة الكاميرا ذات الأشعة تحت الحمراء القريبة (NIRCam) كجزء من مسح التطور الكوني (COSMOS).
تتم إدارة COSMOS بواسطة حوالي 15 تلسكوبًا مختلفًا، بما في ذلك تلسكوب JWST الموثوق به، تلسكوب هابل الفضائي. تقوم هذه العيون الموجودة على الكون بدراسة قسم أكبر من السماء بشكل متكرر يعادل حوالي 10 أقمار كاملة. هذا التكرار مع الأدوات التي ترى الكون بطرق مختلفة يسمح للعلماء بالتحقيق في كيفية نمو المجرات، حيث تساعد بيانات هابل وJWST في كشف الدور الذي تلعبه المادة المظلمة في أشياء مثل تطور المجرة. بالإضافة إلى ذلك، لاحظ هابل نفس المنطقة المشاركة في الدراسة الجديدة في عام 2007، ومنذ ذلك الحين تم فحص هذا القسم بواسطة العديد من التلسكوبات الأرضية الأخرى بشكل مستقل. لكن الحساسية الهائلة التي يتمتع بها تلسكوب جيمس ويب الفضائي ساعدت العلماء على إنتاج خريطة تحتوي على عدد من المجرات يبلغ حوالي 10 أضعاف تلك التي تنتجها التلسكوبات الأرضية، وضعف عدد المجرات التي تظهر في خريطة هابل.
باستخدام ملاحظات تلسكوب جيمس ويب الفضائي هذه، استنتج الفريق توزيع المادة المظلمة باستخدام “عدسة الجاذبية الضعيفة” على وجه الخصوص، وهو التشويه الدقيق للضوء الصادر من آلاف المجرات الخلفية والذي يحدث أثناء مروره في الفضاء الملتوي الناتج عن تركيزات المادة المظلمة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مراقبة المنطقة باستخدام الأداة الرئيسية الأخرى لـ JWST، وهي أداة الأشعة تحت الحمراء المتوسطة (MIRI)، سمحت للباحثين بقياس المسافات إلى المجرات في هذا القسم من السماء بشكل أفضل.
تعد خريطة المادة المظلمة الجديدة مجرد مثال آخر على كيفية إحداث تلسكوب جيمس ويب الفضائي ثورة في رؤيتنا للفضاء، القريب والبعيد، مع إعادة تعريف فهمنا للأجسام المألوفة وكذلك الجوانب الأكثر غموضًا في الكون.

التعليقات